تاريخ البدء : 11-05-2017
تاريخ الانتهاء : 30-09-2017
17:00
أرشيف المغرب، الرباط

لقد أسدى هنري دو كاستر خدمات جليلة للباحثين في تاريخ المغرب، من خلال عمله المتميز الذي انكب على البحث عن المادة الوثائقية وجمعها وترتيبها وتصنيفها وترجمتها وفك رموزها ونشرها. نية الرجل وجرأته على اقتحام هذا الموضوع لم تأت من فراغ، فقد اجمع معظم الذين عاشروه أو صاحبوه أو كتبوا عنه على حبه الكبير للمغرب وهوسه باستكشافه منذ أن وطأت قدماه أرض الجزائر كضابط بمصالح الشؤون الأهلية، حيث نجده يقرأ كل ما وصلت إليه يداه عن المغرب ويستقصي عليه كل من أتى منه، لينسج من هذا وذاك أولى خرائطه عن بلد لم تره عيناه، والتي كانت خير معين للذين رغبوا في ركوب مغامرة استكشاف المغرب، وفي طليعتهم صديقه المقرب شارل دو فوكو الذي يشهد أن أعمال القبطان دو كاستر قد أفادته وبدقة متناهية في استكشاف حوض درعة.


زيارته للمغرب سنة 1887 ومقابلته للسلطان المولى الحسن جعلته يفتتن أكثر بهذا البلد، وزادت من ولعه للكشف عن أسراره التي ظلت خفية عن كل الأطماع التي حاولت امتلاكه. وقد ساعده عمله وحنكته في رسم الخرائط على تدوين كل المعلومات التي التقطتها أذناه وشاهدتها عيناه بهذه الأرض، وتوطينها على خرائطه التي أنجزها مباشرة بعد عودته إلى الجزائر.


لم تنجل أبدا صورة المغرب عن مخيلة دو كاستر، لذلك شرع منذ ذلك الوقت في البحث في تاريخ هذا المجال الجغرافي الجديد، واستقراء كل الوثائق التي عثر عليها خارجه من مراسلات ديبلوماسية أو سجلات تجارية أو تدوينات الرحلات أو العقود المختلفة...هدفه من ذلك، إلى جانب تطلعه الشخصي لخبر تاريخ هذا البلد، هو وضع ذلك الزخم من الوثائق أمام الباحثين لتيسير مهمتهم في استكشاف ما ظل غامضا من تاريخ المغرب في شتى جوانبه.
أما بالمغرب وكما تخبرنا به تقارير بعثاته العلمية فقد اقتفى أثر كل ما يمكنه من الوصول إلى منابع المعلومة المفيدة عن تاريخه، فنراه منذ أن حل بمدينة طنجة أيام قلائل بعد توقيع عقد الحماية الفرنسية، يطل على أرشيفات المفوضيات ويبحث في مكنونات الخزانات الوطنية والأجنبية، كما استفسر عن وثائق المخزن والمدونين والعلماء المغاربة وحتى عن خطب الائمة وما رواه الشيوخ والمسنون.


وقد تبلورت كل تلك المجهودات في أعماله المنشورة عن تاريخ المغرب ومن أعزها "المصادر الغميسة لتاريخ المغرب" وهو عمل عظيم بمنهجية متميزة جمعت ونظمت كل الوثائق التي وجدت لدى مختلف الدول التي كانت لها علاقات تجارية أو دبلوماسية مع المغرب. ونفعها يكمن في كونها تكشف النقاب عن مرحلة تاريخية لم تستطع المصادر التاريخية التي كانت متوفرة آنذاك تغطيتها من كل الجوانب، حيث تعتبر مرجعا لا محيد عنه لكل باحث في تاريخ المغرب، ابتداء من مرحلة تكوين دولة الشرفاء السعديين وحتى عهد السلاطين العلويين.


ما ينبغي ذكره أيضا عن خدمات هذا الرجل هو مشروع جمع الأرشيف وتنظيمه وفق ما يقتضيه علم الأرشفة، وتلك كانت توصيته في ختام تقرير بعثته العلمية في سنة 1913 حيث أشار على المقيم العام ليوطي بضرورة إحداث مصلحة للأرشيف داخل أقسام إدارة الحماية الفرنسية. كما كان أيضا وراء فكرة إحداث المكتبة العامة وارشيف الحماية سنة 1919 مدشنا بذلك مشروع مأسسة الأرشيف بالمغرب.


ومعرض اليوم الذي تنظمه مؤسسة أرشيف المغرب هو تكريم للرجل من خلال أعماله واعتراف في نفس الآن بما أسداه من خدمات في مختلف مجالات البحث التاريخي بالمغرب.

مشاركة :